مذكرات …!

(مقال لي سابق في منتدى الساخر)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدلله الحاجب لوجهه الكريم برداء الكبرياء إلا على الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين … آمين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أحبابي .. كل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام.

ذات مساء قصير، جلستُ وحيداً مع سكون الليل كالمُسْتهامْ، ومع السكون ُتجْتبى الأحلامْ، أفركُ يدي اليمنى باليسرى، وأفرقع أصابعي وأهزُ رأسي، وأهْمِسُ مع أنفاسي، وفي لحظاتِ تجلٍ مع النفسْ مع الشاهي التركي بالحبق، وبرباطةِ جَأشْ، قررتُ كتابة َمقالهْ، أشبهَ بمقامهْ، فبدأت معي طقوس الكتابة المعتادة… فوضعتُ قدماً على أخرى، ثم أنزلتها ثم رددتها، وتمايلتُ يميناً ويساراً، ثم مددتُ يدي للكتابة، فالوقتُ يمضى كالغروب، والكلمة ليست مِلكي، ثم بدأ الإلهامُ يجري، وانفرجتْ أساريري، وكتبتُ سطراً وسطرينْ، وظللتُ أهذي بكلام نِصفهُ مفهومْ، ونصفه غير مهضوم ! أحدثُ نفسي تارة بصوت وتارة بصمت: أنَّ المقامةَ سهلة، والشعرَ أسهل، إنما هو كلماتٌ متراصات متجاورات، وبالموسيقى متناغمات.

فكانت مقامةً مع وافر الاحترامْ، عن صاحبي (بشبوش أفندي) مالك الفورد (قراند ماركيز) وحاشا لله أن يلحقه ذم أو وصم، فإن بعض الظن إثم، إنما كتبت بالقلم مزاح، لتنشرح النفس وترتاح، عن صديق عريضِ المنكبينْ، واسعِ العينينْ، دقيقِ المنخرينْ، متوسطِ الشدقينْ، دائريِّ المُحيَّا، أرْقبُهُ منذ عام، حين يَدلفُ لمنتدى أدبي (الساخر) بالظلامْ، يدبر الأمر والأعضاءُ نيامْ، مُنغمسينَ في أحلامهمْ بسلامْ، وهو في صنعتهِ نَفّاذْ، بل هو فيها أستاذ، فمن رفعَ منهم عُرفه، فسوف يلقى حتفه، وبلا تسمية يشق نحرَهْ، ليتركه متشحطاً بغرغرة، كأنه محاط بِقسْورَة، أو ينذره إن لم يدفن موضوعه في المحذوفات برمية حجر، أو للعالم الآخر من فرطِ الضجرْ (1).

عرفتهُ من زمنٍ في موقع يقالُ له (عجيبْ) َصَنعَ بمُريديهِ الأعاجيبْ، واختصني فيه بعطفهِ دون البعيد والقريب، فجعلني له نديما، وصديقاً حميما، وأنا أسأل الله بقاءه، حتى أُرزَقَ لقاءه، وهنأت نفسي بمورده، وابتدرت استلام يده، فلما اتخذني خليلا، ولم يرضَ عني بديلاً، تعاهدنا على الصحبة، وتناهينا عن الغربة، ثم استهوانا السمر، فخضنا بطنَ الليلِ إلى السحر، ننتهبُ مسافته، ونستأصلُ شأفته، فأدْرُجُ به الطرق على شارب الريح، وهو ملتوٍ داخله بوجه طلق، فإذا سألته ذات صفاءٍ عن المنتدى (الساخر) مالَ علَّي نافخاً منخرية، وبأنيابٍ حديد، وبنظراتٍ حِداد، رافعاً عقيرته: يا أشعث أغبر ما أنت إلا (عضو) خليك بحالك وسق حمارك.

حتى إذا كَدَّناَ الجوع، وضعفت فينا الضلوع، وساقنا القَـَرَم للحم والدسمْ، بالغاً منا سَورتهُ وفورتهْ، قلتُ: هَلُمَ ُنصبْ مطعماً هندياً يُدعى (شيزان) لا يختلفُ عليه اثنانْ، فأصنافهُ أطيبْ، وهو إلى نفوسنا أشهى وأقربْ، فتحلسَ وتملسْ، واستفزتهُ قرقرةُ أمعائهِ، وسيلانُ لعابهِ، فوافقني دون إبطاءْ، َينمُ عن ذكاء، وهو يبطنُ الحيلة، وغايته تبرر له الوسيلة، ذاكراً حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام ( لو أهدي إليّ ذراع لقبلت ولو دعيت لكراع لأجبت) فللكراع يجيبُ ويسارعْ، ولمطعم شيزان ولا شك سيعبر الفيافي والشوارع، وماهمه ما دمتُ أنا للحساب دافع.

فأطلقنا العَنانَ لشاربِ الريحْ (2) لندركَ زاوية فيه ونستريحْ، فلما ربض بالمطعم وأنتصَ وتسّمرْ، أمسكَ بالهندي الأسمرْ، يوصيه بخبز الجمبري بوري مبتدءاً، والرز بالخضار والفلفل مثنّيا، وبسمكِ الكاري اللذيذ مُحلّيا، يذوبُ كالعسلِ قبل مضغهِ وبلعِه، ثم بالجمبري الطري، بعد كمال استوائِه، وتَفَلْطُح أعضائِه، المقلي بالسمسم البرتقالي، وخَاتِماً بإبريق عصير السيدر، محشواً بفاكهة جَنيَّة، وبماء بيريه المختوم، فهو أجرى في البلعومْ، وقامع للعطش وأمضى في العروقْ.

وعلى طاوله فرُشَ بساطها ومُدَ سِماطها، صُـفتْ صحونها، بمختلفِ ألونها، حتى إذا شَعشَعتْ الصحون بريحها، تهيأ للأكل وأنا أنظرُ ما يصنعْ، وشّمرَ وشمرت عن يد النهم، وحمل حملة الذئب الأمعط الملتهم، فمدَ يدَ البدار، للشوربة يَدْلـُقها في جوفه كالعطشان، ثم ثنّى على السمكِ والتهمهُ التهامْ الحيتان، ثم للرز بالخضار، ويديه تجندلُ بالعرض والطول، فغدا كل صحن حوله مأكول، حتى إذا أجهز على الطلبْ، وأكل أكل مودّعٍ وشرب، ولم يعد يجد للحلوى سبيلا، ولا للهواء منفذاً، نهض مفارقاً جلسته، مستصحباً كرشته، وخرجنا بعد أن سددنا الـُّثلمَتينْ، الجوع والعطشْ، فما ألفيته داخل السيارة إلا فاغر الفم نعس، يشكو من تخمة كرش، لم أرها قط في إنس.

قلت: أراك لا تنظر في مصلحتك، ولا تراعي حفظ صحتك، ومن أمعن فيما أمعنت، وتبطن فيما تبطنت، مضى لا محالة كتلة لحم، ملتصقاً كتوأم السيامْ، إن لم يدركه طبيبٌ عام ؟!

قال: انظر لنفسك يا فقيد الشَعَرْ، فإني رأيتك في المطعم كالمستعِر، حين التقمت ما حضرْ، فلم تبق ولم تذرْ، وأضحت المائدة بعدك أثراً بعد عين…؟!

وهنا ُأنشدت وقلت:

ما الشعر إلا قصورٌ لست أدخلها *** ولم تطأ أرضها من قبل ذا خيلي

فيا كراماً من الشعراء حسبكمو *** فقد رسمت بليلٍ شعرَ ككتيلِ

هذا صديقي “الأسمر” منذ أزمنةٍ *** مضت بجدة البحر بنا المقادير

مراقبٌ بمنتدى مات همّاً من مراقبةٍ *** للأعضاء يحيك الأمر بالليلِ

يطمس الوجه والآذان يفركها *** والأنف يوعدهُ بالويلِ يا ويلي

ما ثمّ عنده أنصاف الحلول فذا *** قسم “المحذوفات” يشهد بالطير الأبابيلِ

كم ليلةٍ شهد “الكُورنيش” جولتنا *** صاري كذلك لا ينس أفاعيلي

أطوف بالدب مرحباً ومجتهداً *** بوزن قد جاوز المائة يبدو لي

وحين أسأله عن سرّ المنتدى*** يأتي الجواب سريعاً دون تطويلِ

يا مستطيل المحيّا (3) سق بنا وأدر *** للدرب وجهك لن تحظى بتأويلي

أذعنت للأمر لا شكوى ولا جزعٌ *** ثم انطلقت به للجدّ للـ meaِl

شيزان” فيه أكلنا أكل محترفٍ *** مستفعلن فاعلن بالعرض والطولِ

مراقب صاحبي من فرط تخمته *** ألقى بجثته نعسان بسيارتي كالفيلِ

                                  و…هنقت الكلمات والأوزان والتفعيله..

 

وسرينا بشاي أخضر مغربي تجنباً للدلاخة وطرداً للتخمة، ورجاء شفط دهنه وشحمه، طمعاً بصحة القوامْ، وشحذاً للفكر وطول الكلام، مقروناً بسيجار يسحبه بانسجامْ، يغدو بعده كمغردٍ فوق الآكام.

ثم تحدثنا طويلاً عن أسهم البورصة بعدما أغراني بالملايين، وأنه ذو معرفة وشطارة، وصوله وجوله، أغدو بعدها وقد تحلق حولي الغلمان، يهشونَ بريش النعام وأنا جذلان، وأسحبُ مطارفاً بفحش وثراء، وزوجات على آلاء وبهاء، وبيوتاً تناطح السماء، منشداً فيها بعُجْبْ، وأنا خارجَ السِربْ، فلما قبض الريال، صال وجال، وطار ومال بالدرهم والدينار، حتى أقعده فحول الرجَالْ، بمضاربةٍ أسهم تقشعرُ منها الأبدانْ، فما بقي منها إلا تسعين، لا خدمٌ وحشم أرجو منها ولا دور، ولا رأس مال منها أطمع أن يرجعون.

قال لي صاحبي مواسياً: يا خير الذخائر، وطيب العشائر، ومقصد الأحباب، وقدوة الشباب، ما نفعل بالأسباب؟ هذه حال الدنيا، يومٌ ترفعك على تخت، ويومُ تمسط بك تحت…؟!! .

ثم زاد وقال: دع الالتفاتَ إلى ما فات ! ولا تأسَ على ما ذهبْ، ولو كان وادياً من ذهبْ…!

فبتُ أندبُ حظي، وأكتمُ غيظي، حين أطعت الطمع فأذلني، وأتبعت الهوى فأضلني، لاعناً الرجيم أبليس، أن جعلني من المفاليس.

فلما ملَّ مني ذلك الليل صاحَ ولامْ، متخلياً عني للهو مع أصحابه قد حانَ، بدار (بولينغ) يرتادها مع الأقران، يدحرجُ معهم كرةً يا كرام، مزهواً بها وهو من جنبها ورب الأنام، فسبحان الباري العلامْ، المتفردُ بتصوير الأنام، والجن والمراقب العامْ، الذي لا يسلم منه أقوامْ.

وهاأنتم إخوتي قرأتم المرام، في قصتي مع مراقب منتدى عام، فدونكم وإياه نزالاً بمبري الأقلامْ، يغدو نافذاً بكرشهِ كالسهامْ، يرديه طريحاً فأروي غليلي وأنامْ، وسلامي لكم وكل عزيز ترفلون معه بسلامْ، وهنا أنشد وأختم بأبيات مختارة لعمرالوردي:

واتَّـقِ اللهَ فتـقوى الله مـا *** جاورتْ قلبَ امريءٍ إلا وَصَلْ
ليسَ مـنْ يقطعُ طُرقاً بَطلاً *** إنـما مـنْ يـتَّقي الله البَطَـلْ
صدِّقِ الشَّرعَ ولا تركنْ إلى *** رجـلٍ يـرصد في الليل زُحلْ
اطـرحِ الدنيا فمنْ عاداتها *** تخفِضُ العاليْ وتُعلي مَنْ سَفَلْ
عيشةُ الرَّاغبِ في تحصيلِها*** عيشـةُ الجاهـلِ فيهـا أو أقلْ
كَـمْ جَهولٍ باتَ فيها مُكثراً *** وعليـمٍ باتَ منهـا فـي عِلَلْ
كمْ شجاعٍ لم ينلْ فيها المُنى*** وجبـانٍ نـالَ غاياتِ الأملْ
فاتـركِ الحيلةَ فيها واتَّكِلْ *** إنـما الحيلةُ فـي تركِ الحِيَلْ
أيُّ كفٍّ لمْ تنلْ منها المُنى *** فرمـاهـا اللهُ منـهُ بـالشَّلَلْ
وصـلاةُ اللهِ ربـي كُلّما *** طَلَـعَ الشمسُ نهـاراً وأفـلْ
للذي حازَ العُلى من هاشمٍ*** أحمدَ المختارِ من سـادَ الأوَلْ
وعلى آلٍ وصحبٍ سـادةٍ *** ليسَ فيـهمْ عاجزٌ إلا بَطَـلْ

 

 

تحية تشبهكم.

 

 

 

حاشية : ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العالم الآخر: الطرد من الموقع فلن ُيرى صاحب ذلك اليوزر إلا والناس في الحشر .

(2) شارب الريح: أطلق هذا المسمى على سيارتي تأسياً بالفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب الشاعر الذي كان يعامل الناس بالعينة( وهى من أنواع الربا لا يجوز التعامل بها (فإذا حلت دراهمه ركب حماراً يقال له: شارب الريح، فيقف على غرمائه ويقول:

بنو عمِّنا أدُّوا الدَّراهم إنَّـمـا *** يفرِّق بين النَّاس حبُّ الدَّراهم

(3) مستطيل المحيا: يدعي صاحبي أني ذو جبهة عريضة وذلك بعد رؤيته زحْف الصلع على رأسي وأنا بين يدي الحلاق .

(4) جمبري بوري: وجبه هندية لذيذة تعتبر مع خبز النان وسلطة اللبن والمربى مقدمة وتمهيداً للمعدة في التليين والطحن للطلب التالي .

اترك رد

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.