التوبة.

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله الحاجب لوجهه الكريم برداء الكبرياء إلا على الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .

يقول فضيلة الشيخ/ عبدالله السويلم:

بعد فتح مكة المكرمة في العشرين من رمضان في السنة الثامنه للهجرة النبوية وقعت غزوة حنين في شهر شوال من نفس العام حين خرج أهل الطائف من ثقيف وهذيل ومن تحالف معهم من المشركين لقتال النبي (صلى الله عليه وسلم) فخرجوا بنسائهم وأطفالهم ومالهم وماشيتهم لكي لا يرجع أحد من أرض المعركة، وبعد القتال وإنتصار النبي عليه الصلاة والسلام وجيش الإسلام رأى النبي (صلى الله عليه وسلم) إمرأة تبحث عن طفلها وهي جزعه عليه حتى سمعت صراخه باكياً فركضت إليه وحملته وألقمته ثديها وأخذت ترضعه، وأمام هذا المشهد الأرضي والناس ينظرون…هنا يقوم النبي (صلى الله عليه وسلم) بإغتنام مثل هذه المواقف لينقل المسلمين من الأرض إلى السماء … إلى الملكوت الأعلى … إلى العالم الغيبي فقال فداه أبي وأمي لأصحابه: أترون هذه طارحة إبنها في النار ؟ قال الصحابه: لا يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام : الله أرحم بعبده من هذه) .

الله أكبر … ما أرحمك يا الله بعبادك .

قال الشيخ الإمام بن القيم الجوزية (يرحمه الله) تلميذ شيخ الإسلام الإمام بن تيمية (يرحمه الله):
 إذا أذنب العبد فإن لله عليه ستة أفضال:

أولها: الستر.
ولهذا من أسماء الله (الستير) فالله يستر عبده، ولذلك حرم الله التجسس، وقد جمل الله بن آدم بالستر، يستر بدنه بالثياب … وإلا أقبح عورة هي عورة بن آدم لا تطيق أن تراه، والذنوب مثل العذره والعياذ بالله قبيحه لا في شكلها أو مسماها أو رائحتها .

الثاني: الحلم.
فهو حليم جل وعلا، وإلا كم عدد النائمين عن صلاة الفجر اليوم وكم عدد الفاعلين للفواحش البارحه، قال تعالى [ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابه] ولهذا ورد في الأثر ( أن في كل يوم تستأذن الجبال ربها أن تطبق عليهم، والأرض أن تتزلزل بهم، والبحر أن يخرج عليهم، والملائكة أن يعاجلوهم بالعقوبة، والله يقول: هؤلاء عبادي إن أذنبوا سترت عليهم وإن تابوا غفرت لهم ) .

الثالث: فتح باب التوبه.
وهذا الباب سعته ما بين المشرق والمغرب يدخل منه الناس كل يوم بدون زحام من سعته ولله الحمد، ولم يجعل الله بين توبة العبد وبينه جل وعلا حاجزاً أو حاجباً ولهذا ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها ) فلم يجعل لها سناً معيناً ولا تنقطع التوبه إلا إذا بلغت الروح الحلقوم، أو طلوع الشمس من مغربها .

الرابع: بالتوبة يجعل الله جميع سيئات عبده حسنات .
وهنا يضرب بن القيم (يرحمه الله) مثلاً لرجل تاجر كان لديه غلام يعمل لديه فسرق الفتى من المال وهرب خوفاً منه وحياءاً لأن سيده يكرمه، ثم إن هذا التاجر علم بسرقته ولكن لمحبة التاجر لهذا الغلام أخذ يبحث عنه ويرسل الناس في طلبه ثم يخبره الناس أن سيدك رجل طيب عد إليه، فقال الغلام : لن أرجع حتى أعيد المال للسيد وأعتذر منه، فجاء بالمال وسلمه له فقبل السيد الإعتذار وعفا عنه ورده لعمله، ثم قام هذا السيد بإعطاء المال المسروق للغلام نظراً لحاجته. 

قال بن القيم (يرحمه الله) : أليس هذا السيد بكريم؟ فما بالكم بكرم الله الذي يحول السيئات لحسنات؟
ولذلك ثبت في الصحيح فيما معناه أن الله يوم القيامة يدني العبد منه ويكلمه ليس بينه وبين الله ترجمان، وهو وقت السؤال والجواب فيقول الله للملائكة: قربوا صغائر الذنوب وأبعدوا الكبائر، فأخذ يعدد الصغائر على عبده المؤمن وهو يعترف بها، فيقول الله: يا عبدي سترتك في الدنيا وتجاوزت عنك اليوم فيفرح المؤمن ثم يقول له الله: وحولت صغائر سيئاتك إلى حسنات، فتوجه المؤمن إلى باب الجنه فرحاً تزفه الملائكة ثم قال المؤمن للملائكه: أرجعوني إلى ربي قالوا له: ماذا تريد؟ قال: بيني وبين ربي فأرجعون، فرجع إلى ربه وقال: يا رب سألتني عن الصغائر فأين الكبائر ؟ ـ يريدها أن تحول حسنات ـ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تعجباً من طمع بن آدم .

ولعل ما يجدر ذكره مناسبة لهذا الموقف هو حديث صحيح عن أبي هريرة (رضي الله عنه) الرجل الذي جامع أهله في نهار رمضان وعندما أخبر أقاربه وجيرانه بفعله قالوا له: لا نرى لك إلا الرجم فأخذوا بجمع الحجارة فذهب لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو في المسجد مع أصحابه والرجل يرمى عمامته ويشد شعر رأسه ولحيته من الخوف قال أبو هريره رضي الله عنه:

( بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت، قال رسول الله: مالك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا، قال: فهل تجد إطعام ستين مسكينًا؟ قال: لا، قال أبو هريرة:

فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينما نحن على ذلك أُتي النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر، والعرق: المكتل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أين السائل؟ قال: أنا، قال: خذ هذا فتصدَّق به، فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ فوالله ما بين لابتيها – يريد الحرتين – أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي (صلى الله عليه وسلم) حتى بدت أنيابه، ثم قال: أطعمه أهلك) متفق عليه.

وخرج من عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو يحمل التمر ولقي أقاربه وجيرانه ومعهم الحجارة مجموعه يحسبون أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) سيأمر برجمه وقد كان رجم رجل يقال له: ماعز، في رجب أو شعبان في زنا وهو محصن (رضي الله عنه) فقالوا: ما فعل بك رسول الله؟ قال: جئتكم من عند أرحم الناس وأراهم ما أعطاه .

قال فضيلة الشيخ عبدالله السويلم: يقول العلماء أن أحد علماء الشافعية أخذ من هذا الحديث ألف فائده، ويقول بن القيم (رضي الله عنه) عن هذا الحديث إذا كان هذا الوقوف بين يدي رسول الله فكيف يكون الوقوف بين يدي الله؟!!.

أما حال المنافق والكافر فهما ينكران ذنوبهما سواءاً الصغائر أو الكبائر أمام الله، فيقول له الله جل وعلا : أترضى أن يكون الملائكة شهوداً عليك؟ فيقول الكافر والمنافق: يا الله إنك وعدتني أنك لا تظلم أحداً هذا اليوم وأخشى من ظلم الملائكة ؟!.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: فيختم على فيه، وتشهد الجوارح وأول من ينطق الفخذ فالعورات تغطى أمام الناس ولا تكشف إلا في الخلوات فيقول الفخذ: ربي عملت كذا في يوم كذا …وعملت كذا في يوم كذا، وتنطق الأيدي والجوارح فأنزل الله [ اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ] ثم يخلى بينه وبين الكلام فيسب الجوارح ويقول: بُعداً وسُحقاً عنكن كنت أناضل، ثم يسحب على وجهه إلى جهنم والعياذ بالله.

الخامس: إستغفار حملة العرش للتائبين. قال الله تعالى [ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم ] سبحان الله العظيم من أنت يا بن آدم حتى تستغفر لك حملة العرش؟!!.

السادس: وهنا والله أعلم أن ابن القيم ( يرحمه الله ) ما كتبه إلا والدمع ينزل من عينيه، فيقول يرحمه الله: أما السادس فيعجز القلم عن الكتابة فيه واللسان عن بيانه وهو: فرح الله بتوبة العبد.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لله أشد فرحا من توبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة ، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه ، فآيس منها وأتى شجرة فاضطجع في ظلها ، قد أيس من راحلته فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فقام فأخذ بخطامها وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) .

يقول بن القيم (يرحمه الله) : وهذا الحديث لا يفهمه أمثالي وسأقربه لكم، أرأيتم لو أن أماً صرخ طفلها في وسط البيت فأخذت أمه بيده وضربته فزاد بكائه، فأخرجته خارج البيت وطردته والشمس حاره حافي القدمين، وهو يبكي فذهب إلى الجيران فوجد أبوابهم مغلقة فرجع إلى بيت أمه ووجد الباب مقفلاً، فوضع خده على عتبة الباب وهو ينادي: يا أماه… يا أماه… وهي تسمع إلى أن بح صوته وأنقطع عن النداء ففتحت أمه الباب وإذا بالنعاس والنوم قد تغشاه وأثر الدمع على خديه فلم تتمالك أمه إلا أن رفعته وضمته إلى صدرها وأخذت تبكي لبكائه.

يقول شيخ الإسلام بن القيم (يرحمه الله) : تذكر هذا المشهد وقول الرسول صلى الله عليه وسلم (الله أرحم بعبده من الوالدة بولدها) ثم يقول بن القيم (يرحمه الله) : فقم آخر الليل وضع خدك على عتبة باب ربك وقل : يا الله… يا الله فإن الله يحب أن يسمع تضرع العبد .

والإنكسار والتضرع بين يدي الله محبوب عنده جل وعلا، وقد ورد في الأثر أن الملائكة أشفقوا على عبد من كثرة الإبتلاء عليه وهو ينادي : يا الله يا الله فقالت الملائكة: عبدك يرجوك يا الله فقال الله تعالى: زيدوا عليه من البلاء فإني أحب أن أسمع تضرعه.

فاللهم تقبل منا التوب وأغفر لنا وللمسلمين الخطايا والزلات وأجعلنا من عبادك التائبين الأوابين والصالحين، وأمنن علينا برضوانك ومغفرتك ورحمتك يا أرحم الراحمين…آمين.