نصيحة للفنيين في ورش الصناعية.

                                                            بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على النبي الذي اصطفى، وعلى الأصحاب الأبرار والتابعين وأتباع التابعين والصالحين إلى يوم الدين…آمين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


الإخوة الكرام:
امتدح بقدر الامكان الميكانيكيين والفنيين في مكان عملهم، ولدي قاعدة أتبعها دائما وهي: إمتدح شيئاً جيداً أو أصمت.
وهذا لا مشاحة فيه ولا مؤاخذة أبداً، فنبي الله محمد (صلى الله عليه وسلم) كان يمتدح أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين (مع الفارق) ومن ذاك ما رواه الترمذي وابن ماجه في ما رواه عبدالله بن عمرو بن العاص قوله عن أبي ذر جندب بن جنادة الغفاري قال قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر) صححه الإمام محمد ناصر الدين الألباني (يرحمه الله).
وقوله عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فقد أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( بينا أنا نائم أُتيت بقدح لبن فشربت منه حتى إني لأرى الرِّيَّ يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله قال: العلم ) .
وفي مجال السيارات والميكانيكا أحرص قدر الامكان أن أحافظ على علاقتي بالمهندسين وأن أمتدح عملهم إذا أحسنوا، ومن الأفضل والأجدر اكتسابهم وبناء علاقات جيدة معهم، وهذا وجدته من خلال ردود أفعالهم، وردود أفعال عملائهم الآخرين في الورش التي أزورها، وإيماني عميق بأن أسلوبي الذي أنتهجه معهم مفيد .
فهم لم يصبحوا فنيي ميكانيكا أو كهرباء أو غيرها من التخصص لهدف جني المال من اصلاح السيارات فقط، بل لأنهم يحبون السيارات والآلات والمعدات التي بأيديهم، وأصبحوا متيمين بها كما نحن متيمين بسياراتنا.
وسمعت كثيراً من الإجحاف تجاههم من كلام الناس في المجالس إذا دار الحديث عن الوكلاء وورش الصناعية ! وبعضهم يعتقد بأنهم أناس مخربين ؟!! .
ولا يجيدون العمل بنسبة 92% ؟! وأن علاقاتهم الاجتماعية بكل تأكيد سيئة فتنعكس بسوء على عملهم في الورش ؟! .
وهذا الاستنتاج غير صحيح فما يدريهم عن علاقاتهم الأسرية والاجتماعية ؟ فهذا رجم بالغيب وتخرص، وهذه النسبة المئوية عالية جداً وظالمه فالسوء منهم في العمل أقل من ذلك بكثير.

والحق أن المنطقة الصناعية تحتاج إلى فنيين بارعين أكثر من أي وقت مضى، وهذا باتفاق الجميع، ولهذا السبب والحل لهذه الأزمة المعاشه يومياً: 

هو أن يقوم المهندسين والفنيين المهرة بالتعليم على رأس العمل، وتقديم خبراتهم للفنيين من الجيل الثاني الأحدث الأقل خبره الممارسين لهذه المهنة؛ حتى لا يقال عن الفني المبتدئ بأنه ميكانيكي سيء أو فاشل مع قادم الأيام .

وما يقوي هذه المسأله والشاهد عليها هو حرمة كتم العلم والدليل قوله تعالى [ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون] سورة آل عمران :187 .

قال الحسن وقتادة: أن الآية عامه لكل عالم، وقال الإمام الشوكاني في فتح القدير:
والظاهر أن المراد بأهل الكتاب كل من آتاه الله علم شيء من الكتاب أي كتاب كان، كما يفيده التعريف الجنسي في الكتاب .

وقال بن كثير في تفسيره أن ابن عباس قال: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا من كتمانهم ما سألهم عنه .
 
فأنزل الله بعدها قوله تعالى [ لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ] آل عمران : 188.

وأقول: أن تعليم الناس في هذا المجال ليس فيه كشف لسر المهنة وانحسار الرزق فالله هو الرازق كما قال تعالى [ قل ما عند الله خير من اللهو والتجارة والله خير الرازقين ] الجمعة:11 وقال تعالى [ وفي السماء رزقكم وما توعدون ] الذاريات:22 وقال تعالى
[ أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور ] الملك:21 .

والآيات منثورة في القرآن العظيم وهذه على سبيل المثال وليس الحصر وهو لا يخفَ على الجميع.

والشاب الفني الطموح ليس له إلا أن يكون ساعياً وجاهزاً لأي معرفه يمكن أن تنقله إلى مستوى أعلى من مستواه الحالي، مع الاهتمام بالعمل بأساسيات المهنة ومراجعتها على الدوام، فلا يعفيه أن ينتظر أحداً لتعليمه، وبمعنى آخر يكون مهنياً متحركاً ينتقل من مستوى إلى مستوى أعلى منه، لا يجمد على مستوى واحد؛ فالجمود يؤدي إلى فقدان الحماس والكسل بسبب تقدم الآخرين وبقاءك متأخراً قال الشاعر أبو القاسم الشابي:

                                        ومن يتهيب صعود الجبال … يعش أبد الدهر بين الحفر

ومبدأ الحركة وعدم الجمود معروف حتى في جيوش العالم، ففي العمليات التعبويه العسكرية لديها في الحرب مفهوم شهير اسمه (الدفاع المتحرك) أثناء الدفاع عن الأرض، وهذا تنتهجه كثير من الدول في المذهب العسكري لقواتها، فالدفاع الجامد
على الخنادق فقط هو دفاع ضعيف، ويستنزف الكثير من الأنفس والإمكانيات المادية والعسكرية .

واستراتيجية أي جيش أو حرس في الدولة تقوم على الهجوم أو الدفاع وغيرها من العمليات التعرضية، والدفاع في العمليات الحربية ينقسم إلى: دفاع ثابت ودفاع متحرك، فالمتحرك يعني الدفاع عن الأرض بالتدرع بها، والقيام بهجوم معاكس؛ لنقل المعركة إلى أرض العدو؛ ولإفشال هجومه؛ ولمطاردته ومنعه من استثمار الفوز في هجومه السابق، وهذا مبدأ عسكري معروف لدى كثير من جيوش العالم .

ومن المسلم به أنه لا يوجد ميكانيكي يعرف كل شيء عن السيارات، كما لا يوجد كهربائي يعرف كل شيء، إلا أن هذا لا يعفيه من وجوب أن يكون مواكباً للجديد، وأقصد تقدم التكنولوجيا والعلم في السيارات، وأساليب العمل، مع الاستمرار في العمل والتعلم والتدريب يومياً وهو على رأس العمل .

وهذا هو الشيء الشيق في هذه الصنعه، ورغم هذا لا يستطيع الفني أن يكون ملماً بكل شيء؛ لأن الله ما جعل لرجل من قلبين في جوفه؛ لذلك كان إدراكه للأمور محدوداً وعلى قدر طاقته .

ولعل طريقة عمل الفني داخل ورش الصيانة الباهظة التكاليف، قد تفاجئ مالك السيارة في بعض الورش، حيث يقوم الفني بالمعاينة والتشييك على جميع مكونات السيارة، مكبداً المالك خسائر ماليه لا مبرر لها، وفي الحقيقة الفني يمارس عمله بناءاً على تعليمات مدير الورشة (المشرف العام/ كبير المهندسين)  التي حددت معايير معينة يتوجب عليه اتباعها.

فإن أردت فنياً مميزاً في عمله وبارعاَ فسيكلفك هذا الكثير من المال لتظفر بعمل ينسيك مشكلة سيارتك تماماً… فحدد العطل في السيارة ليكون مقدار صرف المال مقبولاً.

وهذا هروب من الاشكال بتحديد أعطال السيارة، وعدم طلب فحص كامل لها؛ لكي تتم السيطرة على الصرف .

وعملاء الورش يتحملون قسطاً من المسؤولية عندما يبحثون عن محلات صيانة سيارات رخيصة، فطالما أن مالك السيارة يبحث عن خدمة (يد عاملة) رخيصة وأقل سعراً فإنه سيتحمل تبعات قراره.

ولا يوجد طبيب يعرف كل شيء عن مهنته، فالمتخصص في الأنف والأذن والحنجرة بارع فيها، ولكنه لا يفقه شيئاً عن القلب والأوعية الدموية، أو جراحة المخ والأعصاب مثل ذلك الفذ المتخصص فيها.

وعلى اية حال، هم فنيون يصيبون ويخطئون وليسوا أشخاصاً معصومين أو يبطنون السوء للناس، وكمثل أي مهنة يوجد طبيب سيئ، طباخ سيئ، عامل بناء سيئ، ومعلم سيئ، والخطأ وارد من الجميع.

ولكن السؤال هنا … بعد هذه المقدمة:

إلى أي حد أو سقف يمكن أن تتسامح مع خطأ فني سواءاً كان ميكانيكياُ، أو كهربائياً، أو فني فرش السيارة، أو فني تخشيب (فورميكا) يعمل على سيارتك ؟

وسأسرد لكم قصة ما حدث لي وما صنعت قبل أيام قليلة:

سلمت فنيا لتخشيب السيارات بموقع الغرابي بالرياض، سلمته قطعه من الكونسول الأوسط للسيارة البي ام دبليو (85) لمعالجته وإعادة التعتيق الأصلي لها كالموجود في السيارة … فهو الوحيد المحتاج للعناية ولله الحمد، وكان الاتفاق بيني وبينه بعد مكاسره
بمبلغ مقداره (100) ريال … وسلمته القطعة مع صور التقطها للتخشيب الأصلي في السيارة.

وبعد حين … للأسف، حدث ما لم يكن منه مأمول ! فقد وضع تخشيباً للقطعة موجود طبق الأصل على سيارة ليكزس ؟!! وليس كما اتفقنا !

فقلت في نفسي حزيناً ومتمنياً زوالها وفقدها بعد حالها القبيح، فهيئتها بتلك الصورة أصبح نشازاً مع تخشيب السيارة:

لقد ذهب الحمار بأم عمرو … فلا رجعت ولا رجع الحمار

وهنا اكتفيت بالقول له: عفا الله عنك، ليس هذا المطلوب، وهذا مبلغ المئة ريال، والسلام …!

قدمت له العفو تمثلاً لفعل الله عز وجل (ولله المثل الأعلى) حيث قدم الله تعالى العفو لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ثم بين له الذنب لاحقاً في قوله تعالى[ عفى الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ] .

وهنا أختم، وأقول على هامش هذا المعنى في الآية الكريمة الآنفة الذكر:

دخل صاحب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ووزيره الثاني بعد خليفته أمير المؤمنين أبي بكر (رضي الله عنه) دخل أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) على رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وهو مسجى في الحجرة الشريفة بعد وفاته، فقال أمير المؤمنين كلاماً عجيباً يرثي به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستشهداً بهذه الآية الكريمة فكان مما قاله رضوان الله عليه وعلى أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:

ليس البكاء وإن أطيل بمقنعي … الخطب أعظم قيمة من أدمعي
تالله ما جار الزمان ولا أعتدى … بأجل من ذاك المصاب وأوجعي
فقد النبي فأظلمت كل الدُنا … والحزن حل بكل قلب موجعي
ما زال بالقرآن فينا هادياً … يهدي الأنام بنوره المتشعشع

ثم نظر في الجسد الشريف المسجى أمامه وقال:

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
لقد كنت تخطب الناس على جذع نخله، فلما كثر الناس اتخذوا لك منبراً، فحن ذلك الجذع إليك حتى وضعت يدك الشريفة عليه فسكت، فأمتك أولى بالحنين إليك .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
لقد ذَّكرك الله بالعفو قبل أن يذكر لك الذنب فقال تعالى [ عفا الله عنك لما أذنت لهم … ] .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
إن الله تعالى جعل طاعتك من طاعته فقال تعالى [ من يطع الرسول فقد أطاع الله ] .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
إن الله تعالى أرسلك آخر الأنبياء وذكرك أولهم فقال تعالى [ وإذا أخذنا من النبيئين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقاً غليظاً ] .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
إن أهل النار ليتمنون أن يكونوا أتبعوك وهم يعذبون في النار قال تعالى [ وقالوا يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول ] .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
إن كان الله تعالى قد أعطى موسى أن ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منها اثنتي عشرة عيناً، فما ذاك بأعجب من الماء الذي نبع من بين أصابعك .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
إن كان الله تعالى قد أعطى سليمان الريح، غدوها شهر ورواحها شهر، فما ذاك بأعجب من البراق الذي ركبته من مكة، وصعدت به إلى السماوات العلا، وعدت من ليلتك فصليت الفجر بالأبطح بمكة المكرمة .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
إن كان الله تعالى قد أعطى عيسى إحياء الموتى، فما ذاك بأعجب من الشاة المسمومة التي وضعت بين يديك فقالت ( لا تأكلني فإني مسمومة ) .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
لقد دعا نوح على قومه [ رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ] وأنت قد ضربت، وأخرجت، وأوذيت، وشج وجهك، وكسرت رباعيتك، ولم تزد على أن قلت ( اللهم أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) ولو دعوت علينا لهلكنا .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
لقد تبعك على قصر عمرك وقلة دعوتك ما لم يتبع نوحا على طول عمره وطول دعوته، فآمن معك كثير، وما آمن معه إلا قليل .

بأبي أنت وأمي يا رسول الله …
لو لم تجالس إلا كفؤاً لك ما جالستنا، ولو لم تواكل إلا كفؤاً لك ما واكلتنا، ولو لم تتزوج إلا إلى كفؤ لك ما تزوجت إلينا …ولكنك جالستنا، وواكلتنا، وتزوجت إلينا، وركبت الحمار وأردفت خلفك، ووضعت طعامك على الأرض تواضعا منك يا سيدي يا رسول الله .

اللهم صلي على رسولك وسلم وعلى أصحابه أجمعين والتابعين وأتباع التابعين لهم بإحسان والصالحين إلى يوم الدين.





تحية تشبهكم.